اخر الاخبار
رئيس مجلس الادارة سامية ابراهيم ،رئيس التحرير علاء القهوجي
الرئيسية » الرئيسية » المعاملة بالمثل/الخبر

المعاملة بالمثل/الخبر

بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيرى . المحامى .

قبل أن تلفظ سنة 2019 م أنفاسها الأخيرة محملة بما وقع خلالها من أحداث جسيمة ، وما تحقق فيها من إنجازات عظيمة … على مستوى الدول والأفراد والجماعات … هبت على المنطقة رياح الحرب متجهة صوب ليبيا الشقيقة قادمة من تركيا التي ترفع لواء العنصرية البغيضة … يدق طبولها السلطان المعتوه أمير الجهلة ، وقائد الشواذ والعملاء والخونة لدعم المليشيات الإرهابية المسلحة في طرابلس ضد الجيش الوطني الليبي .. الذي نجح تحت قيادة المشير خليفة حفتر في استعادة 80 % من مساحة الأراضي الليبية ، وما زال يخوض حربا شرسة دفاعا عن الهوية الوطنية .
وهذه هي النتيجة الطبيعية المتوقعة .. بعدما اتضحت أمامنا الرؤية ، وتكشفت لنا الحقيقة .. باعتراف حفيد السفاح سليم الأول رسميا بالصوت والصورة .. في شهر أكتوبر من العام المنصرم .. في خطابه التلفزيوني أمام منتدى “تي آر تي وورلد” الذي عقد آنذاك في إسطنبول .. بقوله : “إن التواجد التركي في جغرافية ليبيا وسوريا .. هو حق تاريخي مكتسب للأتراك باعتبار ليبيا وسوريا جزءا لا يتجزأ من إرث الأجداد” …. والحقيقة المؤسفة أن هذا المجرم استطاع أن يجد له موضع قدم في غفلة من الزمن في كل من ليبيا وسوريا .. لكن عينه على مصر المحروسة .
وهذا معناه أن لهذا القرد الخائن ، وعصابته ، وأركان نظامه الحاكم .. أهدافا معلنة ، وأخرى خفية من تدخله في الشئون الداخلية الليبية .. على رأس أهدافه المعلنة دعم المليشيات التكفيرية المسلحة .. التي قتلت البشر ، ولم تترك حجرا على حجر ، وانتهكت الحرمات ، ونشرت الرعب والظلم والفساد .. أما أهدافه غير المعلنة فأولها تحقيق أطماعه المعروفة في غاز شرق المتوسط ….. وثانيها السيطرة على ليبيا ، وقتل أبنائها ، ونهب ثرواتها ، والتحكم في مقدراتها … بما يعني استعمارها ، وبسط نفوذه على أرضها ، وفرض إرادته على شعبها ، ومن ثم استهداف مصر وذلك بتمويل وتدريب العملاء والخونة على ارتكاب الأعمال الإرهابية .. وتزويدهم بالمعلومات ، ومدهم بالعدة والعتاد .. تمهيدا لتسللهم إلى أراضينا عبر الحدود الغربية .. للانضمام إلى عناصر الجماعة الضالة في الداخل لإحداث الفوضى ، وإشعال نار الفتنة ، وضرب مسيرة التنمية التي قدمنا من أجلها تضحيات كبيرة ، وقطعنا فيها أشواطا عديدة ، وحققنا خلالها إنجازات عظيمة بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي .
نعم هذا هو باختصار شديد المخطط الإجرامي الخسيس .. الذي يجري تطبيقه على أرض الواقع وسط صمت عربي مريب !! .. وهو ذات المخطط التخريبي الذي كانت وما تزال تعمل على تنفيذه الجماعة الضالة …… ومن خرج من عباءتها من جماعات ضالة أخرى ، ومن يحذو حذوها ، ويحوم حولها ، ويدور في فلكها من المغيبين ، وأنصاف المتعلمين ، والجهلة … الذين يكفرون بالأوطان ، ويتاجرون بالأديان ، ويحلمون بعودة الإمبراطورية العثمانية العنصرية .. التي يطلقون عليها كذبا وزورا وبهتانا .. “خلافة إسلامية” .. هذه هي الحقيقة الغائبة عن العرب الذين يغطون في نوم عميق كعادتهم دائما .. فهل يقوم العرب من رقدتهم قبل فوات الأوان ؟ .
ويبقى الرهان قائما على وعي الشعب المصري العظيم .. ومدى تماسكه ، وثقته في جيشه ، والتفافه حول زعامته ، هذا الشعب المؤمن بربه ، المعتز بتاريخه ، الفخور بحضارته ، المنتمي لتراب بلده ، الذي لا ينسي أبد الدهر .. الأحقاد الأزلية ، والعداوة التاريخية ، والأطماع الأبدية .. التي تكنها تركيا لمصر أرضا ، وحضارة ، وشعبا ، وزعامة …. منذ الغزو العثماني لمصر بقيادة السفاح سليم الأول سنة 1517 م .. الذي احتل مصر آخر معاقل العرب .. فدنس ترابها ، ودمر تراثها ، ونهب ثرواتها ، وأعدم حاكمها الشجاع السلطان طومان باي .. الذي قاوم الاحتلال العثماني حتى آخر لحظة في حياته .. إلى الجرائم الإرهابية التي ارتكبتها تركيا في العصر الحالي على الأراضي المصرية ، وتدخلها السافر في شئوننا الداخلية .. المتورطة فيه بكافة الأدلة الثبوتية .. قبل وأثناء ثورتي 25 يناير 2011 م ، و30 يونيو 2013 م الشعبيتين الخالدتين وبعدهما ، وكأن تركيا لا ترى في العالم إلا مصر لدرجة جعلتها تبدو تاريخيا وجغرافيا وكأنها تعاني من “فوبيا” مصر .
ومن الرهان على الوعي الشعبي … إلى الثقة المطلقة في حكمة الرئيس عبدالفتاح السيسي ، وخبرته الطويلة في إدارة الأزمات الخطيرة …… وكم من الأزمات المعقدة التي اجتزناها بسلام تحت قيادته الرشيدة ، وهذا ليس غريبا على رجل جاء إلى سدة الحكم في ظروف عصيبة … شبيهة إلى حد كبير بالظروف التاريخية التي تولى فيها محمد علي باشا السلطة .
ويبقى لنا في الغزو العثماني عبرة وعظة .. من الأهمية بمكان إسقاطها في هذا المقال على التجاوزات التركية الراهنة .. ذلك الغزو البربري الذي حول مصر بمنتهى الانحطاط والخسة … من دولة حرة ، مستقلة ، ذات سيادة ، صاحبة حضارة ، عاصمة الخلافة العربية العباسية .. إلى مجرد ولاية ، ذليلة ، خانعة ، تابعة لخلافة إسلامية مزعومة ؟ .. فأخرجها من سياق التاريخ ، وأصابها بردة حضارية غير مسبوقة .. لم تتخلص منها إلا بعد انفجار الثورة الشعبية الخالدة سنة 1805 م …. بقيادة ابن الصعيد الزعيم الشعبي عمر مكرم ، والتي توجت بتولي محمد على باشا الحكم من 1805 م حتى 1848 م .. والذي عرف عنه تاريخيا أنه اكتشف عظمة المصريين وعبقريتهم .. فأسس بعقولهم وسواعدهم مصر الحديثة .. حيث نهض بمصر تعليميا ، وزراعيا ، وصناعيا ، وعمرانيا ، واجتماعيا .. والأهم أنه أعاد بناء الجيش المصري العظيم ، وعكف على تسليحه وتدريبه ، فخاض به اشرس المعارك الحربية في تاريخ البشرية …. لعل من أشهرها معركة نصيبان سنة 1839 م …. بقيادة إبراهيم باشا ضد الجيش التركي …. حيث حاصر الجيش المصري “الأستانة” إسطنبول الآن …. بعدما أفنى الجيش التركي .. واستولى على أسلحته ومعداته …. وأسر من تبقى على قيد الحياة من جنوده ، وفرض على الأسطول التركي تسليم نفسه في الإسكندرية لمحمد على باشا … ولما علم السلطان العثماني محمود الثاني بتلك الهزيمة المنكرة مات في الحال .. فأصبحت الإمبراطورية العثمانية خاوية على عروشها .. لا سلطان يحكمها ، ولا أسطول لديها ، ولا جيش يحميها …. ولولا استغاثة إحدى القيادات العثمانية الناجية من القتل بأوروبا التي لبت النداء – بلغة مستعمر قديم – قائلة ” عدو ضعيف خير من حليف قوي” حيث أجبرت محمد على في مؤتمر لندن الذي انعقد عام 1840 م .. على الانسحاب من الأراضي التركية .. وهكذا أنقذت أوربا الدولة العثمانية من الانهيار بعدما كانت أقرب إلى مزبلة التاريخ منها إلى البقاء كإمبراطورية ، عنصرية ، عجوزة ، هزيلة ، ذليلة … ومن هنا تعمقت الكراهية في نفوس الأتراك ، وارتفعت لديهم روح الانتقام ، وامتلأت قلوبهم بالأحقاد على خير الأجناد .
وليس أدل – في وقتنا الحالي – على عداوة تركيا قيادة وشعبا وحكومة من موافقة البرلمان التركي في جلسته الطارئة المنعقدة في 2 / 1 / 2020 م .. على إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا الشقيقة .. لكن بالرغم من التجاوزات التركية المتكررة منذ ثورة 25 يناير حتى الآن .. لم نرد عليها ردا رادعا يلقنها درسا يجعلها لا تلعب معنا بالنار ، وتتوقف تماما عن التدخل في الشئون الداخلية لبلداننا العربية رغم أننا قادرون على الرد بما يجعلها تفكر ألف مرة قبل أن تتدخل في شئوننا الداخلية ، أو تذكر اسم مصر بما لا يليق بمكانتها ، وتاريخها ، وحاضرها ، ومستقبلها .. لكن ما دمنا قادرون على الرد لماذا إذن لا يكون ردنا أكثر حدة مما هو عليه الآن من شجب وندب وإدانة ؟ !! .
هذه ليست دعوة إلى إعلان الحرب على تركيا .. لكنها دعوة إلى تطبيق قاعدة القانون الدولي المعروفة “المعاملة بالمثل” خاصة أننا نملك من العلاقات الدولية ، والأذرع الأمنية ، والمعلومات الاستخباراتية .. ما يكفي لتسليط الضوء على ما ارتكبته تركيا من جرائم ضد الإنسانية ، ولدينا كذلك أيضا ما يكفي من قدرة على تحريك الملفات التركية السوداء الراكدة .. التي تؤدي حتما – لو أحسنا استغلالها – إلى زعزعة استقرار تركيا ، وربما حصارها ، وفرض عقوبات دولية صارمة عليها …. وربما تؤدي في منتهاها إلى تفكيك الدولة التركية ذاتها .. وإجمالا نستطيع القول بأننا نملك ما يكفي من أوراق الضغط التي تحيل الشأن الداخلي التركي إلى جحيم دون قتال أو حرب .. من هذه الملفات على سبيل المثال لا الحصر .. جريمة إبادة الأرمن ، وقضية استقلال الأكراد .
لكن كيف يمكن لنا أن ننحى هذا المنحى ؟ .. ولدينا من السياسات الخاطئة ما لا يعد ولا يحصى .. لعل من أبرز هذه السياسات السياحة الخليجية المتدفقة صيفا وشتاء إلى تركيا والشراكة الاقتصادية القائمة بينها وبين معظم الدول العربية ، والمنتجات الاستهلاكية التركية التي تغرق الأسواق في جميع البلدان العربية وعلى رأسها مصر …… إذن أليس من الفطنة أن تحول الدول الخليجية وجهتها السياحية إلى مصر بدلا من تركيا ؟ .. ثم أليس من الأجدى للدول العربية التي تقيم شراكة تجارية مع تركيا أن تعيد النظر مرة أخرى في سياستها الاقتصادية ؟ .. لكن الأهم مما سبق أليس من باب أولى أن تبادر مصر – التي تمثل القاطرة للأمة العربية – بمنع استيراد المنتجات التركية ؟ .
إذن يجب علينا – كعرب – قبل الرد على تركيا .. أن نعيد النظر في مواقفنا السياسية .. ونعمل على تغيير وجهتنا السياحية ، ونعيد رسم خريطتنا الاقتصادية ، ونقوم بإطلاق حملات توعية مجتمعية في جميع الأقطار العربية ، لرفع مستوى الوعي القومي ، وتعميق الإيمان الجمعي ، بقدر مصر ومكانتها ، وخطورة موقعها الجغرافي ، وأهمية دورها العربي … باعتبارها عمود الخيمة ، ورمانة الميزان ، ورأس الحربة .. التي إذا انطلقت انطلق العرب بلا استثناء ، وإن سقطت يوما ما – لا قدر الله – فلن تقوم للعرب من المحيط إلى الخليج بعد ذلك قائمة .

ارسال :

عن طلال الشرقاوى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كورونا هو الدرك الذي وصلت منه ألسنة لهب ترهيبية إلى بنو أدم

كتب لزهر دخان بدأت يد الله تعذب الناس بجرم ما . الجرم غير معروف ويُعرف الدرك الذي وصلت منه ألسنة لهب ترهيبية إلى بنو أدم . هذه الألسنة هي ما ...