اخر الاخبار
رئيس مجلس الادارة سامية ابراهيم ،رئيس التحرير علاء القهوجي
الرئيسية » الرئيسية » تحليل الوضع السياسى بين تركيا وليبيا/الخبر

تحليل الوضع السياسى بين تركيا وليبيا/الخبر

يكتب : محمد البنا

لاجدال أن الاتفاق بين حكومة فايز السراج في طرابلس وحكومة رجب طيب أردوغان في تركيا بخصوص تقديم دعم مادي وعسكري من الأخيرة إلى الأولى، في معركتها ضد الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وما تبعه من تصديق البرلمان التركي على قرار إرسال قوات تركية إلى ليبيا، نقطة تحول بارزة على صعيد الحرب في ليبيا، ويفتح شريان إمداد للجماعات الإرهابية التي خفت نشاطها وتراجع كثيرا خلال العام المضطرب . فمن جهة، سيعزز التواجد التركي المكثف، وفتح خطوط مباشرة لوصول الإمدادات التركية بالمال والمعدات والسلاح والرجال أيضا، بقايا جماعات مثل “سرايا الدفاع عن بنغازي”، أو “مجلس شورى ثوار بنغازي” وهي جماعات هجينة تضم عناصر من الإخوان والقاعدة معا. وكانت قد تواترت أنباء عن تلقيها أشكالا من الدعم التركي طوال السنوات الثلاث الماضية. ومن جهة أخرى، ربما تلجأ تركيا إلى اللعب بورقة “الدواعش” المنتشرين في الجنوب الليبي تحت مسمى “سرايا الصحراء”، بغرض استنزاف خصومها وإرباكهم عبر تنفيذ ضربات تستهدف مواقع ومنشآت نفطية ليبية يسيطر عليها الجيش الوطني في الجنوب.

اولا : العمليات الإرهابية في ليبيا بعد معركة “

يوجد عمليتان دقيقتان في بنغازي ، نموذج لعمليات حلفاء تركيا في ليبيا

منذ انطلاق عملية “طوفان الكرامة” في الرابع من أبريل 2019، لتطهير غرب ليبيا من الميليشيات والعناصر الإرهابية، وإحكام سيطرة الجيش الوطني الليبي على طرابلس، وقعت في ليبيا 14 عملية إرهابية، 12 منها لداعش، واثنتان من المرجح أن يكون “مجلس شورى ثوار بنغازي” -بزعامة المفتي السابق المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين الصادق الغرياني- هو المسؤول عنها. وبينما استأثر الجنوب الليبي بـ 11 عملية إرهابية، وقعت الهجمات الثلاث الأخريات في مدينة بنغازي بشرق ليبيا، والتي تمثل المعقل الرئيسي للجيش الوطني الليبي ورئيسه.
ففي الحادي عشر من يوليو 2019، وقعت ثلاثة انفجارات في مقبرة الهواري أثناء تشييع جنازة اللواء خليفة المسماري خلّفت 3 قتلى، وإصابة 8 آخرين. وبحسبما قال المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي -اللواء أحمد المسماري- فإن التفجيرات كانت قريبة من القبر ونُفذت عبر عملية مدروسة بواسطة حقائب مفخخة. وفي العاشر من أغسطس 2019، وقع انفجار استهدف موكب لبعثة الأمم المتحدة أثناء مرورها بمنطقة الهواري ببنغازي، مما أسفر عن مقتل ثلاثة من موظفي الأمم المتحدة، وإصابة عشرة آخرين بينهم طفل. وقد وقع هذا التفجير بعد بضعة أسابيع فقط من إعادة الأمم المتحدة فتح مكتبها في بنغازي، بعد استقرار الوضع الأمني هناك.
وعلى الرغم من عدم إعلان أية جماعة مسؤوليتها عن الحادثين، تشير أصابع الاتهام إلى خلايا نائمة من بقايا تشكيلات إرهابية إخوانية مثل “مجلس شورى ثوار بنغازي” أو “سرايا الدفاع عن بنغازي”، إذ أن نمط التنصل من المسؤولية عن الحوادث هو نمط إخواني بامتياز. إذ تتأسس استراتيجية الإخوان على توظيف العنف لخدمة “السياسة” أو التمكين السياسي للإخوان، وبالتالي، فهناك حرص واجب على نفي التورط في أعمال العنف قدر الإمكان للحفاظ على صورة “الجماعة السياسية” المقبولة داخليا وخارجيا. والأكثر من ذلك، أنه وقبل وقت قصير من وقوع الحادث الذي استهدف بعثة الأمم المتحدة، نُقِلَت تصريحات عن المفتي الإخواني، الصادق الغرياني، يحض فيها على مهاجمة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا وإخراجها منها.
ويبدو أن الجماعات الإخوانية ومن ورائها تركيا و”حكومة السراج” أرادت بتنفيذ هاتين العمليتين إرسال رسائل مفادها أن بنغازي عاصمة شرق ليبيا، ليست بمعزل عن الأذرع الإرهابية لهذه الفواعل، وأن بإمكانها توجيه ضربات للجيش الوطني الليبي. وأيضا، إرسال رسالة إلى الأمم المتحدة مفادها أن افتتاح مكتبها في بنغازي كان خطئا، وأن العنوان الرئيسي لليبيا يقع في طرابلس لا بنغازي، وأن بنغازي لا زالت غير آمنة. ولكن في المقابل، يُلاحَظ أن هاتين العمليتين لا تعبران عن وجود بنية تحتية إرهابية قوية للعناصر والتشكيلات الإخوانية الإرهابية في ليبيا، إذ أنها استهدفت في النهاية أهدافا لينة يسهل مراقبتها ومهاجمتها، ولا يحتاج استهدافها لجاهزية كبيرة. كما أنه ومنذ وقوع حادث أغسطس 2019 لم تقع أية حوادث مماثلة في شرق ليبيا، في الوقت الذي تتواتر فيه الأنباء عن خسائر الميليشيات المتحالفة مع حكومة الوفاق الليبي في معركة طرابلس، وإحكام الجيش الوطني الليبي الخناق عليها، بما لا يسمح لها بمساحة تتيح لها تفعيل أنشطة إرهابية في شرق ليبيا، حتى الآن على الأقل. وهو الواقع الذي ربما يطرأ عليه تغييرات في أعقاب مزيد من الانخراط والدعم التركي لهذه الميليشيات، على نحو ما سيرد في نقطة تالية.

ثانيا :سرايا الصحراء” تحت المطرقة في الجنوب

تعاني داعش في ليبيا بتشكيلها الجديد المسمى “سرايا الصحراء” حاليا، مرحلة جديدة من الضعف الشديد سواء على الصعيد العملياتي أو على صعيد العمليات الدعائية. فبعد تفكك تنظيم داعش في ليبيا، بسقوط معقلها الرئيسي في سرت، توارت الجماعة وتراجعت نسبيًا خلال 2017، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى الغارات الجوية الأمريكية المستمرة على معسكراتها خارج سرت. فقد أعلن التنظيم مسؤوليته عن أربع هجمات فقط في ذلك العام: إثنان في سرت، وواحد في كل من مصراتة وأجدابيا. وعلى الأرجح كانت هذه الهجمات نتيجة فرصة تم انتهازها وليس حملة منسّقة.
ثم أعادت الجماعة تنظيم نفسها في الجنوب باسم “سرايا الصحراء”. بعدها، بدأت الوتيرة في الارتفاع في فبراير 2018، عندما قررت الجماعة في ليبيا أن الوقت قد حان للخروج من الظلال. وقد شنت الجماعة هجمات في مواقع عديدة خلال ديسمبر من ذلك العام: أربعة في أجدابيا، وثلاثة في طرابلس، واثنان في الجفرة، وواحد في كل من سرت وأوجلة، والعقيلة، والفقهاء، ووادي كعام، وتازربو. ولكن، هذا الزخم العملياتي توقف في ديسمبر 2018 عندما اكتشف الجيش الوطني الليبي قاعدة للتنظيم بالقرب من واحة غدوة. بعدها انتقلت الجماعة إلى حقل هروج وبدأت عملياتها من جديد في أبريل 2019، حيث شنّت 11 هجومًا في الأسابيع التالية: اثنان في سبها، واثنان في تمسة، وواحد في كل من الفقهاء (وهي البلدة التي ادعى التنظيم مرة ثانية أنه استولى عليها لفترة وجيزة)، وغدوة، وزلّة، ودرنة، وسمنو، وهروج ونقطة التفتيش 400 بين سبها والجفرة. بل إنها في الثاني من يونيو 2019، نفذت هجومين بالعبوات الناسفة استهدفا عناصر الجيش الوطني الليبي في درنة، وأسفرا عن إصابة 11 شخصا. وقد اتهم الجيش الوطني الليبي في البداية قوة حماية درنة بالوقوف وراء الحادثين، إلا أن داعش أعلنت مسؤوليتها عنهما في اليوم التالي. وقد انتهت هذه الهجمات عندما عثر الجيش الوطني الليبي على أحدث قاعدة لعمليات التنظيم في منتصف يونيو. ومنذ ذلك الحين، لم تقم الجماعة بتنفيذ أية هجمات إرهابية داخل ليبيا.
من جهة أخرى، لم يصدر تنظيم داعش في ليبيا في غضون السنوات الثلاث الأخيرة، سوى خمس رسائل فيديو فقط، آخرها كان في أكتوبر 2019، مما يشير إلى أن عملياته الإعلامية قد تراجعت بشكل كبير. ولم يقدم التنظيم في شريطه قبل الأخير والذي تم نشره في سبتمبر 2019 أي جديد، فقد اعتمد على لقطات لهجمات سابقة وقعت في أبريل 2019 الأمر الذي يشير بشكل غير مباشر على ضعف الجماعة. وعلى نحو مماثل، وبعد مقتل البغدادي في أواخر أكتوبر، تم نشر الفيديو الأخير الذي يبايع فيه تنظيم داعش في ليبيا الزعيم الجديد بعد مرور أسبوعين كاملين على إعلان داعش عن حملة إعلامية لإظهار الدعم المستمر في “ولاياتها” الأساسية والخارجية للـ”الخليفة” الجديد.
ويمكن أن يُعزى توقف عمليات الجماعة مؤخرا وعجزها الأكبر عن إعادة بناء نفسها بطريقة مستدامة إلى عاملين رئيسيين:
الأول، سقوط شبكات المقاتلين الأجانب؛ إذ لطالما كان المكون الرئيسي لداعش في ليبيا، والأهم من ذلك هيكلها القيادي، يُدار من قِبَل مقاتلين أجانب، لا سيّما التونسيين والسودانيين والمصريين. على سبيل المثال، قاد أبو أمير الجزراوي، المقاتل السعودي عملية قتل الأقباط المصريين في ليبيا عام 2015. وهناك أيضا وسام الزبيدي (المعروف أيضًا باسم أبو نبيل الأنباري)، الذي كان أميرا لداعش في ليبيا حتى وفاته عام 2015. بينما لعب مقاتلون ليبيون، مثل فوزي العياط، زعيم أنصار الشريعة في سرت، والذي قاتل في سوريا والعراق، وغيره دورًا هامشيًا آنذاك. وقد قُتِل عدد كبير من هؤلاء الأجانب في الحملة التي شنتها قوات “البنيان المرصوص” التابعة لمصراتة وقوات أخرى لاستعادة الأراضي التي استولى عليها التنظيم. وفرّ آخرون إلى تونس (لمساعدة شبكة تنظيم داعش هناك)، أو سيناء (للانضمام إلى ولاية سيناء)، أو السودان (سواء لإيجاد ملاذ آمن أو تسهيل العمليات اللوجستية بين الشبكات المختلفة في المنطقة).
الثاني، الصعوبات المالية؛ ذلك أنه لسنوات عديدة اعتمد التنظيم على التمويل القادم من منظمته الأم، إلا أن معظم هذه الأموال نضبت منذ أن خسرت داعش أراضيها في العراق وسوريا. ومع ذلك، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ التنظيم حاول تنويع تمويله من خلال مصادر محلية، مثل الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم في المدن الساحلية، وابتزاز المواطنين الليبيين، وفرض ضرائب على شبكات الاتجار بالبشر واختطاف الأفراد طلبًا للفدية. إلا أنه في بداية العام الماضي 2019، تم تقويض هذه الجهود الأخيرة من خلال غارات الجيش الوطني الليبي التي استهدفت معسكر غدوة التابع للتنظيم، حيث ورد أن الجماعة كانت تحتجز أربعة وعشرين رهينة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل سيؤدي التدخل التركي إلى تغيير ميزان القوى في ليبيا؟

يتأسس الاهتمام التركي بالوجود السياسي والعسكري في ليبيا على معطيين رئيسيين: أولهما؛ الرهان التركي على قدرة التيار الإسلامي في ليبيا على إقامة نظام موالي لتركيا، خصوصاً بعد سيطرة تيار الإخوان المسلمين على الغرب الليبي من خلال قيادة مجلس الدولة من قِبل خالد المشري. ثانيهما؛ حماية المصالح الاقتصادية التركية في ليبيا. وتشير تقديرات إلى أن الشركات التركية مدينة بأكثر من 15 مليار دولار من الديون غير المسددة في ليبيا. كذلك تتطلع تركيا إلى الاستفادة من كعكة إعادة إعمار ليبيا بمجرد انتهاء الحرب الأهلية وهو استثمار مربح. فعلى عكس سوريا، تمتلك ليبيا ثروة هائلة من النفط والغاز الطبيعي بالإضافة إلى ما يقرب من 67 مليار دولار من الأصول المجمدة حاليًا من قبل الهيئة الليبية للاستثمار مخصصة لتمويل إعادة إعمار ليبيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من نصف سكان مدينة مصراتة التجارية القوية – بما في ذلك العديد من الشخصيات البارزة المشاركة في الحرب الأهلية الليبية الحالية – لديهم أصول عثمانية ويحافظون على روابط اقتصادية كبيرة مع تركيا.
الأمر المؤكد أن نجاح الجيش الوطني الليبي في تأكيد سيطرته على طرابلس أو انهيار حكومة السراج يعني انتفاء هذه المصالح التركية بالكلية، خاصة بعد قرار مجلس النواب في طبرق منع مزاولة المقاولين الأتراك لعملهم في ليبيا. ومع ذلك، تشير تقديرات استخباراتية غربية إلى أن الدعم التركي المقدم لحكومة السراج والميليشيات المتحالفة معها لن يغير من موازين القوى لصالح حكومة السراج في معركة طرابلس. ولكنه سيطيل عمر الحكومة ويحول دون انهيارها فقط. في المقابل، ستزيد القوى الإقليمية الداعمة للجيش الوطني الليبي من دعمها لضمان تعزيز مواقع حليفها واستمرار تقدمه، ما يعني أنه سيكون على تركيا تقديم المزيد من الدعم لميليشيات غرب ليبيا، وبالتالي ستتعرض لخطر الاستنزاف والانزلاق في المستنقع الليبي.
باختصار، سيفضي التدخل التركي إلى إطالة أمد المعركة في ليبيا وزيادة حالة الفوضى هناك، وازدهار جماعات الإرهاب المسلح التي ستتغذى على الأسلحة والدعم التركي، وستعزز صفوفها بوصول رفقاء سلاح آخرين على متن سفن تركية من فصائل إرهابية عديدة كانت تعمل في سوريا، سواء من عناصر التركمان التي ستمثل الذراع التركية الحقيقية في ليبيا، أو عناصر جبهة النصرة وداعش التي تواترت أنباء عن وصولها إلى ليبيا حتى قبل توقيع مذكرتي التفاهم بين أردوغان والسراج.

2- الدعم التركي للإرهاب في ليبيا قبل مذكرتي التفاهم

كشف تقرير نشره موقع “نورديك مونيتور” السويدي أن حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توفر منذ سنوات الحماية للشركات المحلية المتورطة في تهريب الأسلحة إلى ليبيا. وأشار التقرير إلى أن فريق خبراء مجلس الأمن أكد إرسال تركيا شحنة أسلحة إلى جماعة مرتبطة بتنظيم “القاعدة” في بنغازي عام 2017. كما أن أنقرة رفضت في بعض الأحيان الرد على استفسارات وجهتها لها لجنة خبراء أممية كانت تجري تحقيقات حول الدول التي تنتهك القوانين الدولية الخاصة بليبيا، خصوصا ما يتعلق بتهريب الأسلحة.
واستعرض التقرير وثيقة صادرة عن مجلس الأمن الدولي، في 3 يناير 2019، تضمّنت كشفا أظهر أن حكومة أردوغان لم ترد إلا على 4 من استفسارات الأمم المتحدة، رافضة تقديم أي معلومات تفصيلية حول عدد كبير من الأسئلة. ووفق الوثيقة، فإن من بين الأسئلة المطروحة كان بشأن المتفجرات والصواعق التي وجدت على متن سفينة “أندروميدا” في يناير 2018. والسفينة كانت حينها متوجهة إلى ميناء مصراتة، قبل أن توقفها السلطات اليونانية، وجرى ضبط متفجرات على متنها من صنع شركة “أوريكا نيترو” التركية، والأخيرة تعاقدت بدورها مع شركة تركية ثانية من أجل شحن تلك الأسلحة إلى ليبيا.
وعلاوة على ما تقدم، حقق الخبراء الأمميون أيضا في حادثة نقل أسلحة من مصراتة إلى ما سُمي “مجلس شورى ثوار بنغازي”. ففي مايو 2017، جرى إيقاف سفينة محملة بأسلحة وذخائر وعتاد حربي اتضح لاحقا أن جميعها مصنوع في تركيا.
وبمساءلتها حول الموضوع، تشير الوثيقة إلى أن أنقرة لم تجب عن الكثير من الأسئلة، فيما اكتفت بالنفي والإنكار أو تقديم أجوبة بعيدة تماما عن سياق الأسئلة.
وفي ديسمبر 2018، صودرت شحنة من الأسلحة قادمة من تركيا في ميناء “الخمس” بالقرب من طرابلس. شملت الشحنة 3,000 مسدس تركي الصنع، فضلًا على بعض المسدسات الأخرى، وبنادق صيدٍ وذخيرة. وقد تعهدت تركيا بوقف هذه الشحنات، وفتحت تحقيقًا مشتركًا مع حكومة الوفاق الوطني. لكن بعد مضيّ شهرين فقط، وفي فبراير 2019، صودرت شحنة أخرى من الأسلحة التركية في نفس الميناء البحري. كانت تحتوي الشحنة على تسع مركبات مدرعة هجومية، رباعية الدفع من طراز “تويوتا لاندكروزر”، ودبابات قتالية تركية الصنع. كانت هذه الأسلحة موجهة إلى قوات الردع الخاصة، و”كتيبة النواسي”، وهما من الميليشيات الأربع الرئيسية التي تشكل “قوة حماية طرابلس”. وينبغي التأكيد هنا أن ميليشيات طرابلس مرتبطة برموز في الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية المصنفة كجماعة إرهابية.
وفي الخامس من يوليو 2019 أدلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتن بتصريحات تفيد بنقل عناصر مسلحة من إدلب السورية إلى ليبيا. وفي التاسع عشر من يوليو، نقلت مصادر صحفية عن المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي اللواء أحمد المسماري قوله: “إن القيادة العامة للجيش تملك معلومات وأدلة على نقل تركيا لهؤلاء المقاتلين إلى ليبيا، بينهم عناصر ما يعرف بـ”جبهة النصرة” المنضوية بهيئة تحرير الشام، وغيرها من التنظيمات القريبة فكريا وأيديولوجيا مع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا”، موضحا أن “هناك مصادر دولية تثبت ذلك، بل وتؤكد قيام الأتراك بنقل عناصر متطرفة من دول أخرى، مثل مالي موريتانيا والنيجر. بالإضافة إلى مجموعات من جماعة (بوكو حرام) إلى أراضينا”. وأضاف المسماري في تصريحات لاحقة في ديسمبر 2019 أنه تم نقل عناصر من تنظيم “داعش” الإرهابي و”جبهة النصرة”، من سوريا بواسطة المخابرات التركية. وأن تركيا تستخدم لهذا الغرض أحد مطارات تونس، وهو مطار جربة، حيث يتم إنزال مجموعات إرهابية في تونس، ويتم نقلهم إلى ليبيا عن طريق الجبل الغربي. وأشار أيضا، إلى أن مطارات مصراتة وزوارة ومعيتيقة استقبلت أعدادا كبيرة من “جبهة النصرة” وتنظيم “داعش” خلال الأشهر الماضية.

3- ما الذي سيفعله المقاتلون القادمون من سوريا؟

المقاتلون القادمون من سوريا إلى ليبيا لا ينتمون أيديولوجيا إلى معسكر واحد. وما بينهم تركمان موالون لتركيا، ودواعش يتوقون للانضمام لإخوانهم في الصحراء الليبية، وصولا إلى عناصر من “جبهة النصرة” ستنضم على الأرجح إلى عناصر الكتائب المنبثقة عن “أنصار الشريعة” أو كتيبة ثوار بنغازي أو سرايا الدفاع عن بنغازي ربما تتباين أهداف كل منهم بشأن “الجهاد” في ليبيا.

ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان في الخامس والعشرين من ديسمبر الماضي بأن الفصائل السورية الموالية لتركيا افتتحت مراكز لتسجيل أسماء الأشخاص الراغبين بالذهاب للقتال في ليبيا. كما نقل عن مصادر سورية مطلعة قولها إن منطقة عفرين شمال حلب شهدت افتتاح 4 مراكز لاستقطاب المقاتلين، ضمن مقار تتبع للفصائل الموالية لتركيا، حيث افتتح مكتب تحت إشراف “فرقة الحمزات” في مبنى الأسايش سابقاً، وفى مبنى الإدارة المحلية سابقاً تحت إشراف “الجبهة الشامية”، كما افتتح “لواء المعتصم” مكتباً في قرية قيبارية، وفى حي المحمودية مكتباً آخر تحت إشراف “لواء الشامل”. ونقلت وكالة “بلومبرج” للأنباء عن مسؤول تركي رفيع المستوى، لم تكشف عن هويته، قوله إن ميليشيا “لواء السلطان مراد”، التي تقاتل في سوريا، يجرى إعدادها لنقل مقاتليها إلى ليبيا.

هذه الفصائل التركمانية ستكون بمثابة ذراع تركية خالصة في ليبيا. إذ تتماهى هذه الفصائل أيديولوجيا تماما مع حكومة أردوغان، وتمثل النموذج الأكمل لعلاقة الراعي بالوكيل. وستقدم على الأرجح خبرتها في معارك الكر والفر، وحروب العصابات للميليشيات المتحالفة مع حكومة السراج، التي فقدت عددا كبيرا من عناصرها في الآونة الأخيرة في معركة طرابلس. ومع ذلك، لا يُعرَف على وجه الدقة أثر دخول هذه العناصر الغريبة تماما عن ليبيا على الفصائل الليبية المسلحة في طرابلس ومصراتة. وهل يمكن بالفعل دمجها وتقبلها ضمن هذه الميليشيات أم لا. ولكن في المقابل، ربما تنوي تركيا توظيف هذه العناصر الموالية لها تماما في حماية وتأمين “قاعدة عسكرية” تنوي تركيا بناؤها في طرابلس أو مصراتة، بحسبما ألمح مسؤولون أتراك.

ب- دواعش سوريا (مخلب قط في يد تركيا)

لا توجد حتى هذه اللحظة معلومات دقيقة تخص نقل تركيا لعناصر من الدواعش من سوريا إلى ليبيا. ولكن، إذا تم بالفعل نقل هذه العناصر إلى ليبيا، فمن غير المرجح أن تخوض هذه العناصر معارك لصالح حكومة السراج، أو تنضم إلى أيا من تشكيلات البنيان المرصوص التي هزمت داعش في سرت من قبل. والأرجح، أن تركيا تدرك ذلك تماما وتقصده. وأن الغرض من نقل هذه العناصر هو أن تتسلل إلى عناصر “سرايا الصحراء” الداعشية، ما يعني ضخ دماء جديدة في عروق “دواعش ليبيا” وإمكانية استئنافهم لنشاطهم الإرهابي في الجنوب الليبي.

ج- جبهة النصرة وصحوة القاعدة في ليبيا

لا توجد أيضا معلومات دقيقة تخص أعداد من وصلوا من عناصر القاعدة أو “جبهة النصرة” السورية إلى ليبيا، إلا أن حوادث وقعت خلال العام 2019 في بنغازي تشير إلى أصابع “جبهة النصرة” ومن بينها حادث استهداف جنازة اللواء خليفة المسماري، إذ أشارت مصادر ليبية إلى أن النمط العملياتي لهذا الحادث يبدو أقرب إلى أسلوب عناصر جبهة النصرة، التي تواترت أنباء عن وصولها إلى ليبيا وانضمامها إلى تشكيلات هجينة من الإخوان والقاعدة مثل مجلس شورى ثوار بنغازي أو سرايا الدفاع عن بنغازي.
وعلى الرغم من نجاح الجيش الوطني الليبي في تفكيك التشكيلات الإرهابية الموالية للقاعدة، والمنبثقة عن “أنصار الشريعة”، وتطهير شرق ليبيا منها، ربما لا يزال لهذه التشكيلات خلايا نائمة هي التي ساعدت على تنفيذ العمليتين الإرهابيتين في بنغازي خلال العام المنصرم. هذه الخلايا النائمة تمثل نواة وبنية تحتية قائمة يمكن أن تتعزز بوصول رفقائهم من جبهة النصرة، لتبدأ حملة من النشاط الإرهابي تستهدف مدن وبلدات شرق ليبيا، معقل الجيش الوطني الليبي وحكومة مجلس النواب في طبرق. وهي أيضا مصلحة تركية خالصة، إذ سيعوق النشاط الإرهابي دون تقدم قوات الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس، ويعطي الانطباع بفشل جهود الجيش في تأمين شرق ليبيا وتطهيره من الإرهاب.

ويمكنا أن نستخلص من السابق

على ضوء ما تقدم يمكن القول إن التحركات التركية، في السياق الليبي، ذات الصلة بنقل عناصر إرهابية إلى هناك، باتت مرتبطة بدرجة أكبر بالمصالح والممارسات التركية داخل بؤر صراعية أخرى في الإقليم، وأبرزها سوريا، كما ترتبط جزئيا بمصالح آنية ضاغطة لقوى دولية كبيرة. ففي الوقت الذي يتعاظم فيه التنسيق بين تركيا وروسيا في سوريا، تبرز الحاجة إلى تفكيك بؤرة “إدلب” الإرهابية. هنا من الأفضل بالنسبة لتركيا أن تعيد توظيف عناصر المقاتلين الأكثر تشددا من “جبهة النصرة” وغيرها في سياق صراعات أخرى، أبرزها ليبيا (حتى ولو لم يكن بإمكانها ضمان استمرار عمل هذه العناصر تحت مظلتها وضمن إطار مصالحها ومصالح حلفائها في ليبيا) خاصة أن روسيا (رغم دعمها للجيش الوطني الليبي) معنية في المقام الأول بتصفية بؤرة إدلب قدر الإمكان، والرغبة في تسوية الصراع في سوريا تتصدر قائمة أولوياتها وتتفوق من حيث الأهمية على الحسابات الروسية الآنية والتكتيكية في ليبيا، خاصة إذا كانت تقديرات موسكو تشير إلى أن الدعم التركي لحكومة السراج لن يؤدى في كل الأحوال إلى تغيير ميزان القوى لصالح تلك الحكومة، وإنما سيحول دون سقوطها فقط. موسكو ربما غير معنية بإنهاء الصراع في ليبيا أو حسمه لصالح الجيش الوطني الليبي الآن، خاصة أن استمرار المعركة يعني مزيد من عمل شركة “فاجنر” الروسية في إمداد معركة طرابلس بـ “المرتزقة” الروس.
من ناحية ثانية، فإن تباين مصالح وولاءات دول الجوار الليبي ساهم بدرجة كبيرة في فتح الطريق أمام التدخل التركي في ليبيا بهذا الشكل. فبينما تدعم مصر البرلمان الليبي والجيش الوطني الليبي، تقف حركة النهضة في تونس إلى جوار أردوغان وربما تغض الطرف عن تدفق سلفيين جهاديين تونسيين إلى ليبيا. في الوقت نفسه، تهتم الجزائر بحماية وتأمين حدودها مع ليبيا في المقام الأول، وإن كان تعزيز حكومة يسيطر عليها الإسلاميون في ليبيا يتنافى مع تقديرات المؤسسة العسكرية الجزائرية بخصوص الأمن القومي الجزائري. ناهيك عما نُقِل عن المبعوث التركي إلى ليبيا، أمر الله إيشلر، من تلميحات بإمكانية بناء تركيا لقاعدة عسكرية في ليبيا، وهو التطور المرفوض تماما من قِبَل المؤسستين العسكريتين المصرية والجزائرية. وهنا يمكن القول إنه بات من الضروري إيجاد آلية للعمل والتعاون بين مصر والجزائر اللتان تتقاسمان مع ليبيا في حدود طويلة، لضبط هذه الحدود ومراقبتها.

ارسال :

عن هند المصري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دار يا دارنا من زمان_ الشاعر/ محمد عناني_ جريدة الخبر

دَاَر يَاَدَاَرنَاَ مِن زَمَاَن بقلمى محمد عنانى دَاَر يَاَدَاَرنَاَ مِن زَمَاَن فِين لَمَاَ كُنَاَ صُغَيَرِيِن كَاَن بِيحضُنَاَ الَأمَاَن والقلوب بِيِه مَليَاَنِيِن كَاَن مَحَبَه وكَاَن حَنَاَن كُل وَقت وكُل حِين عَاَلوشُوش ...