اخر الاخبار
رئيس مجلس الادارة سامية ابراهيم ،رئيس التحرير علاء القهوجي
الرئيسية » الرئيسية » الرؤية السردية بين التمثل والتماهي في رواية ” شعلة ابن رشد” للروائي/ أحمد المخلوفي.. تحليل نقدي/ د. زهرة حمودان الإدريسي

الرؤية السردية بين التمثل والتماهي في رواية ” شعلة ابن رشد” للروائي/ أحمد المخلوفي.. تحليل نقدي/ د. زهرة حمودان الإدريسي

الرؤية السردية بين التمثل والتماهي في رواية ” شعلة ابن رشد” للروائي/ أحمد المخلوفي.. تحليل نقدي/ د. زهرة حمودان الإدريسي

تقديم الرواية :

  تأتي رواية ” شعلة ابن رشد “، في سياق تاريخي ملتبس بكل المفاهيم المربكة للإنسان؛ لتعالقها  بكل ما هوسياسي، واقتصادي، وعقدي، وفكري؛ أي بكل ما يهم الوجودَ الانساني فوق الارض، من أجل إعمارها.. تقودها في ذلك قيم كبرى كالتعايش السلمي بين أطيافه، وتقبل التنوع والاختلاف في اللون واللسان، والفكر والمعتقد. وهذا طبعا ما سيلقي بظلاله على معمار الرواية، إن على مستوى الشكل كمتوالية من الوحدات النصية، كل وِحدةٍ لها عتبتُها العَنوانية، وعناصرُها الملزمة للتماسك السردي، ومنطقيةِ تسلسلها.. وتقنياتِها  الفنيةِ  الاساس.وتمتد الروايةُ على ثلاثةِ مائةٍ وتسعةٍ وأربعين صفحةٍ، مبوبة على أربعةِ عشرةِ عتبة هي :

  • مقامات الدخول
  • مقام الجوى والقدوة
  • مقام النجدة و تعرية الرهان
  • في مقامات الحضرة و التشكيل
  • مقام الاسئلة الحارقة
  • بوح ابن رشد
  • خلوة مع ابن ميمون
  • حفريات رشدي الجابر
  • وفي رفقة ابن عربي رأيت
  • اوراق صابر وتضم عشرة متواليات
  • عودة على بدأ نكساتي
  • وبرفقته حقا حظيت
  • فصل من محاكمة لم اتاه حتى الآن
  • يوم رحيل ابن رشد
  • مقام الخروج

 يلاحظ المتلقي أن المقامات وهي مصطلح صوفي يشمل ست وحدات.. يوحدها السرد الذاتي للمؤلف يقوده العقل المنفعل، الذي يصبح المؤلف تحت وطأته، وهو يبوح باختلاجاته الخاصة؛ سواء وهو يدخل عوالم ابن رشد، متلمسا الوصول إلى عوالمِ سيرته، أو وهو يخرج منها وهو تحت تأثير مشاعر وفاته.

 وقبل الولوج داخل مكونات نص الرواية، يستوقفنا كقراء نص خارجي يعتلي ناصية الغلاف، مكونا لعتبة العُنوان، وهو عبارة عن جملة اسمية، تتكون من مبتدإ محذوف هو اسم إشارة  “هذه ” ، وخبر تمثله كلمة ” شعلة” والباقي مضاف ومضاف إليه. ومن خصائص الجملة الاسمية؛ الوصف والتحليل، ووظيفتها الإسناد، وهذا يبلوره إيحاءات نص عتبة العنوان، في ذهنية المتلقي، فكلمة شعلة كما جاء شرحها في القاموس المحيط :” هي قطعة مشتعلة من نار تُحمل لمسافات بعيدة من مكان لآخَر بدون أن تنطفئ”.. لذا فوقعها في نفس القارئ يوحي بالامتداد والخلود لإشعاع ابن رشد”.. وسنرى بين فقرات الرواية كيف أن المؤلف سيربط صلة عصر الأنوار بفكر ابن رشد.

يمكن ان نستشهد على دلالة  هذا الايحاء، بما ورد في الرواية على لسان السارد الرئيس، مخاطبا ابن رشد: “كلُّ مصلِحي القرن الثامن عشر والتاسع عشر واوائل القرن العشرين حجوا نحو حكمتِك َوفكرٍكَ وعقلانيتِكَ؛ فاغترفوا منها وبها سوَّقوا بعض ارائهم”

 وفي علاقة نص عتبة العنوان بالرواية يورد المؤلف نصا حواريا بينه وبين ابن رشد مما جاء فيه على لسان هذا الاخير:” اسمع يا صديقي لن أمضي معك في التعليق فأنا أقر بمُجملِ ما ذكرْتَه ولخَّصْتَه باقتدارِ الكُتاَّبِ. ان ما يجمعني بك هو انني صوتُكَ الرئيسي في البوح ،وانت صوتُ محاوِرٍ مُؤِلفِ في آن “، هنا أيضا يمكن أن يدرك المتلقي أن المؤلفَ هو الآخر اخترقته شعلةُ ابنِ رشد، فتلاحمت الشخصيتان وأصبح ابنُ رشد هو صوت المؤلف في البوح، وهذا ما أوحى لي بعَنونة قراءتي هذه للرواية ب ” الرؤية السردية بين التمثل والتماهي”. 

 تعني كلمة” تمثّل” لغة تصوّرَ الشيء أو توهّم صورتَه وتخيّلَه واستحضرَه في ذهنه ؛ وتصور له الشيء: صار له عنده تمثّل مشخص أو صورة وشكل.” 

أما في قاموس le petit robert ، فالتمثل représentation “عملية وضع [استحضار] شيء ما أمام الأعين أو العقل؛ وهو جعل موضوعِ غائبٍ (أو مفهوم ما)، محسوسا بفضل صورة، أوشكل، أورمز، أودلالة ما.

أما في الاصطلاح فقد أخذ هذا المفهوم عدّة تسميات في المؤلفات الأجنبية ، وأهمها  “la représentation” و«la conception »، كما أن التمثل في بعض المعاجم يكون إما ترجمة لهذين المصطلحين ، أو يعبر عن مفهوم تكوين الصور الذهنية

ويتمثل المؤلف مفاهيم لدى ابن رشد، يراها هي مفاتيح للتنوير، وعليها شيد رؤيته السردية، وندرج منها ما يلي :

  •  ربط العقل الفعال بالعلم والفكر والممارسة السياسة والاجتماعية 
  • وحدة العقل البشري
  • وحدة الحقيقة
  • الحرية كقوة كونية وجودية و إنسانية
  • العلم بالموجودات والاستعانة بها كدليل على إثبات وجود الله
  • البحث عن مدينة السعادة وترد أحيانا في الرواية باسم المدينة الفاضلة تكون موئلا للبشر أجمعين
  • الوحدة والاختلاف
  • التوافق
  • الحوار
  • توسيع دائرة المشترك بين الناس
  • الإيمان بوحدة الجوهر الإنساني
  • السعي من اجل تقريب أسس البرهان العلمي من مبادئ البرهان النظري بهدف البحث عن إمكانية فصل الدين عن الدولة

 أما التماهي فهو مصطلح يشتغل به كل من علم النفس وعلم الاجتماعي، والنقد الأدبي، ويقصد به التقليد في السلوك، وهو ما يسمى في أصل نحته بالفرنسية ب” Identification، كما يفسر باللغة العربية بالتَّقَمُّص أو التَّوَحُّد..

والتماهي في الرواية كتقنية لتوليد الحكي وبناء السرد، وتمرير الرؤية السردية ، نشهده لدى أربعةِ شخصيات ثنائيةٍ في التماهي  وبنسب مختلفة في مفعوليته ، وهي :

  • ابن رشد وأرسطو
  • الخلفي وابن رشد
  • رشدي الجابر والمهدي بنباركة
  • صابر وأبيه

وبما أن الخلفي أو الكاتب هو من يرى ويروي فان الرواية مترعة بنصوص تشهد على تماهيه  مع شخصية ابن رشد، فمن الصفحة الأولى ، ومن أول حوار متخيل مع ابن رشد يقول :” وأنا كما تعلم بت شديدَ الحساسية من ألسنة النار..ربما أتتني هذه الحساسيةُ الرهيبةُ من قراءتي لقصة إحراق كتبِكَ بالذات”. وفي حوار آخر مع شخصية آسال، يقول أيضا :” ألم أقل لك آسال بأن حُلُمي هو حلُمُه، وأسئلتُه هي أسئلتي، وكتابُه هو كتابي، كأننا روحان حللنا جسدا..”

 وتمتد هيمنة التمهاهي على شخصية السارد الرئيس والبطل الإشكالي في نفس الوقت حتى الفقرات الأخيرة من الرواية؛ حيث يقول في الوحدة السردية المعنونة ب ” وبرفقته حقا حظيت ” أكيد أن روحي قد استوطنتها روح ابن رشد، حتى وانها أوشكت أن تتقمص حياتَه ومماتَه وبلا أقنعةِ خفاءٍ”

 يتربع ” الخلفي”  على منظومة القيم المستقاة من  الشخصيات التي ما فتئت تلهمه رؤيتَه للعالم، حتى من ابنه صابر ورفيقه في الغربة  الشاب الجزائري فاضل، وهما من جيل المستقبل، والجسر النوعي  الذي بناه المؤلف للاطلاع المباشر على رؤية الغرب للآخر، وكيفية استفادته من الفكر الرشدي بما يفيد مركزيتَه في الحضارة والمعرفة.

 هكذا ينحث المؤلف شخصياتِه بوعي مسبقٍ بما يريد إيصاله من خلالها أوضاع سياسية واجتماعية، و مشاعر إنسانية، يتلفها فكر يؤله العقل، ويلغي العرفان الروحي، وهنا أيضا تبدو قضية تأديب الفلسفة التي عرفها تنوع المسار االروائي  منذ حي بن يقظان وابن طفيل، وفولتير و”فاوست”، ونيتشه و” هكذا تكلم زرادشت”، إلى مؤلف “شعلة ابن رشد” لأحمد المخلوفي.

ويمكن أن نجمل وظيفة الشخوص في الرواية كالتالي:

– الراوي بهويته المكتسبة من موقعه المركزي في الرواية..القائد للأحداث، الفاعل فيها.. – الشخوص المستحضرة من التاريخ بعصوره التنويرية منذ أرسطو ثم ابن رشد، ومفكري عصر الأنوار الأوروبي، امثال فولتير ومونتسكيو وديدرو وروسو، ورددت صداها في صفوف الطلبة والمثقفين والعمال وهبة 1968 الشهيرة “ إلى غاية التاريخ المعاصر، في شخصية الجابر الرشدي ( يقصد به المفكر المغربي محمد عابد الجابري ) وتجربة اليسار، بالإضافة إلى جغرافياتها المتعددة والممتدة بين المغرب والاندلس والشرق العربي، وأوروبا.

 – الشخصيات الثانوية؛ وسِمَتُها الرئيسة؛ أنها تظهر بمشاهد وتختفي بأخرى، ويطلق عليها الشخصيات المساعدة، ووجودها ذا أهميّةٍ لإتمام بناء الرواية، بتوليد المتواليات الحكائية، والتنويع في أنواع التفاعل وردود الأفعال مع القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تطرحها الرواية كإشكالات إنسانية تجليها علاقة الذات بالآخر، كشخصية مانويلا  الغجرية ، وزينب زوجة ابن رشد، وسلمى ابنة ابن رشد، وسلمى ابنة الخلفي، ومروان المغني  حبيب مانويلا، وعمر السبتي، وفرنسيسكا أم روزا حبيبة صابر.

 تمثل رواية ” شعلة ابن رشد ” ، سيرة ذاتية لمثقف يحمل عقلا فاعلا، متمردا عن العقل الانفعالي..إذ البطل شخصية واقعية، يقدمها ضمير الأنا، وتجليه وقائع من حياته الخاصة  يبدؤها بوضعيته المهنية، حيث أصبح متقاعدا من وظيفته، مع الإشارة إلى معاناته مع ابنه صابر في ديار الغربة. وكذلك الأمر مع معشوقته   “جليلة” وهو يستحضرها، عندما استبدت به  الرغبة في استدعاء شخصية ابن رشد ليؤازره بفكره التنويري، كي يخرج عصره من هيمنة الفكر الظلامي، وفعله الارهابي، الذي يأبى الفكر الآخر.. وهذا ما قد ذهب إليه توماس كليرك عندما قال بأن السيرة الذاتية ” أكثر من جنس أدبي إنها نمط من الخطاب” لهذا فلا غرو إذا وجدنا الكاتب يتمرد عن بعض بنود عقد فيليب لوجون في الاستمرار في الكتابة داخل خط السيرة الذاتية، مكسرا الأزمنة حسب ما يحدد توجهه الفكري في الكتابة الروائية إجمالا حيث الزمن له وظيفة خاصة لدى الكاتب، يخدم بها القضية التي تؤرقه، يتنوع بين الزمن المستدعى من التاريخ وهو زمن ابن رشد لصلة التشابه بينه وبين زمنه الحاضر في وجوده الخاص.. وبين زمن التجربة اليسارية في المغرب مع شخصية رشدي الجابر..

 تأخذ الرواية  المتلقي ، وهو يتدرج في فقرات الرواية، إلى عالم سيرة ذاتية محتملة، إذ الراوي يتبنى ضمير المتكلم، وهو يحكي عن محيطه المجتمعي، والعائلي، وعشقه الأول لجليلة، وبلدته ” امرابضن “..وظروفه وهو يتابع دراسته بمدينة تطوان، وتمجيد أهل منطقته وأبطالها الذين  بصموا التاريخ الإنساني في شخص عبد الكريم الخطابي قاهر الاستعمار الاسباني في منطقة الريف.. وكذا متمرديها بعد الاستقلال وثورتهم على من سرقوا أحلامهم ..غير أن مشروع الكاتب في التغيير والإصلاح، أحكم أدواته حول بناء روائي من طراز خاص، فيه من التجريب ما وظف له ما يناسب توجهه في الكتابة الروائية من آليات و ميكانيزمات تجلي رؤيته النقدية للروائي حول الكتابة الروائية وفنيتها، يجمل هذه الرؤية التي أشار إليها في أكثر من موقع داخل نصه، وفي حوار له مع ابن رشد بهذا الخصوص، نقرأ ما يلي : ” اغفر لي يا رشدي فورة مراهقتي المتأخرة، وعودتها لمن كانت هيامي قبل اغتصابها وترحيلي عن جنتها، لذا حين ذكرتني أثرت مواجعَ الحنين إليها فسافرت بخيالي إلى أطلالها. فيرد عليه ابن رشد:” لا بأس صديقي..وما الرواية إن لم يكن الحب مغموسا بها نديا بعطرها{..} إلى أن يقول : ” وإن كنت على دراية  أن الكتابة الروائية بحق، لابد لها أن تكسر الثوابت، ولا تسترفد منها إلا ما يلائم عالمها الخاص”

 تكتسب رواية ” شعلة بن رشد”، هويتها المشكلة من  أجناس متداخلة للنوع الروائي ، التي يمكن رصدها كالتالي :

   السيرة الذاتية: تكتبها ذات تتمثل مفاهيم فلسفية تؤمن بها وتتماهى معها..ذات تحاور الآخر .. تمجد ذاتيتها الحرة.. تعايش قضايا عصرها.. تسائل وتحاجج العالم ب ” لماذا ” .. لتثبت حقها في الاختلاف.. تحضر ملامح السيرة الذاتية بقوة، كمسار لشخصية تكتب عن ذاتها الواعية باضطرابات زمنها، الممتلكة لمشروعها التنويري، المنبني على ما يمكن أن أسميه بالبراديغم الرشدي. يستحضر تاريخه الفكري والفلسفي، في هذا السياق يقول الكاتب/السارد بضمير المتكلم :” روح ابن رشد تملكتني..حررتني من ثقل أسئلة عصري..”

 المنظور السردي الذي يقدمه المؤلف كسارد بصيغة المتكلم، ينبع من حالة وجودية  لذات فاعلة ، يكتبها بتفاعل ذاتي مع مجموعة من الظواهر التي يعرفها عصره كالإرهاب والعنصرية، موظفا في بنائها مخزونه المعرفي في التاريخ الفكري والسياسي لبلده في فترات معينة، باختيار ممنهج، ومدروس يتكئ على المشترك بينها وبين ما كان يجري زمن ابن رشد.

الرواية المعرفية: وتتجلى ملامحها في ” شعلة ابن رشد ” في بنيات حكايات تشمل الفلسفة،  والشريعة ، ومنهجيهما في الاشتغال، كالبرهان والمنطق.. كما تشمل التاريخ والسياسة والحضارة، من خلال مضامين حكايات يصوغها حول الاختلاف، وعنصرية مركزية الغرب، والإرهاب باسم الدين، والانفتاح على ثقافة الآخر.. والدور التنويري للترجمة، والاجتهاد في التشريع الإسلامي..

الرواية التجريبية: وهذا المنحى في الرواية ، تجليها مكونات عدة لمفهوم التجريب كما شرعت أبوابه أمام الرواية، أزمنة الحداثة وما بعدها وما بعد بعدها، وهو في اشتغاله يعتمد العقل في تحليل الظواهر الإنسانية والاجتماعية. لهذا يعرَّف أنه قدرة الممارسة العقلية في احتكاكها وتفاعلها المباشر مع التجربة المتاحة التي تنتجها علاقة الذات بالموضوع”،  والمؤلف في عمله هذا لم يفصل بين ذاته وموضوع قضيته – كما سنرى – كذلك لم يفصل بين الفكر والابداع.. اتخذ من عقلانية ابن رشد بوصلة طريق لعرض مشروعه التنويري، و التجريب في كتابته روايته هذه كشكل تبدأ بالسرد المباشر، يورد بهذا الخصوص على لسان ابن رشد ما يلي :” ان تحيزي للعقل والبرهان لم يمنعني أن افتح كوة لاستلذاذي ما يمنحه اللامعقول احيانا من خيال خصب، وتوازنٍ حتى لو ارتكن إلى كل ما هو غريب عن فكري من أوهام وأساطير..”، وهذا ما سيفاجئ القارئ في الفصل الأخير من الرواية، عندما يعمد المؤلف إلى توظيف البعد العجائبي ، وهو يعود لعالم ابن رشد ليشهد محاكمته التي مازالت قائمة إلى يومنا هذا بسكه للجملة السحرية ” كن..كان”.

 يعلن المؤلف عصيانه الأدبي على حصر روايته في جنس أو نوع ، ويحررها من كل قيد إلا العقل، دون التخلي عن مساحة من العرفان الصوفي .. بهذا المنطق أسند أمر قيادة مسار سردها، وعرض رؤيتها، وتحديد موقع شخصيتها الرئيسة، إلى سارد مصاحب للرؤية. يقف المؤلف معها في وضعية بين التجلي والاختفاء. كما أن الرواية تتجاوز الهُنا والآن بتعبير بورخيس..فالفضاء السردي بشساعة رؤى شخصية متحررة، انطلاقا من ثقافتها، انتقت من التاريخ تجربة تنويرية قادها الوليد بن رشد في القرن الثاني عشر الميلادي، ولازالت شرارتها متقدة إلى عصره، فما زالت كتبه تنهض من رمادها كالعنقاء، تترجم بلغات العالم، وتدرس، وتستنبط منها قيما  كان صاحبها يحلم أن تتجاوز بها الإنسانية خلافاتها و أحقادها.  

 وكما تقفى المؤلف  خطو ابن رشد، عبرالمناطق التي حل بها جغرافيا، ملتقطا روح فكره، متماهيا مع براديغمه الفلسفي والسياسي، من أجل بناء ما يسمى بالدولة المركبة، أو مدينته السعيدة ، كذلك يمكن للمتلقي المسلح بالرؤية النقدية، أن يفكك عناصر العدة التقنية التي اعتمدها المؤلف من أجل بناء روايته كتشكيل روائي فني، خامته الفلسفة والفكر، الملتحمة ي بمتخيل نصي، تقوده رؤية سردية، هي كل ذلك مجتمعا. 

  الرؤية السردية: 

  نتساءل كنقاد، عن فنية الرواية، في هذا الفضاء السردي المترامي الأطراف، الحامل لكل هذا الثقل المعرفي، بمحاوره المتعددة، والمتشابكة في نفس الوقت، رغم أنها في النهاية تخدم قضية المؤلف الأولى وهي ” التنوير”. وهذا – طبعا – ما كان ليتأتى للكاتب، لولا تمثله لرؤية سردية، يقدمها للمتلقي بصيغة خطابية فكرية شديدة التخصص في السرد،  تلخص نسقه التصوري للتغيير والإصلاح الفكري و السياسي، ولقواعد الكتابة الروائية، ومساحات التجريب التي تسمح له بالتحرر من قبضة التقعيد وصرامته.

 تقوم الرؤية السردية في الرواية، على مجموعة من القيم التي يؤمن بها المؤلف ويتماهي فيها مع مشروع  ابن رشد في تجديد الفكر الديني والسياسي، والاجتماعي، والفني (الموسيقى والغناء)، من أجل بناء الدولة كما استقاها من عند أرسطو وناقشها وصوَّبها بحيث توافق الفكر الإسلامي المُعقْلن.

 يشيد المؤلف رؤيته السردية على محورين، يتمفصل كل واحد منهم إلى قضايا تهم التشكيل الروائي ومضامين القضية الرئيسة . وهما:

  1. – البرهان بين الفلسفة العقلانية التي يمثلها ابن رشد وبين فقهاء التشريع 
  2. – العرفان الذي لا يلغي العقل بقدر ما يدخله مدارج العرفان ويمثله محيي الدين بن عربي

 يقدم لنا المؤلف من خلال حواراته مع شخصيات الرواية،  القيم المعرفية في وضعية تساؤل، بين معرفة ماضوية مازالت شعلتها ممتدة التأثير، وروح عصر المؤلف وهي تموج اضطرابا بين التطرف الديني،  و مركزية الحضارة التي يحتكرها الغرب، ثم البحث عن المشترك بين عصور ثلاث :هي

  • عصر ابن رشد
  • عصر المؤلف
  • عصر الغرب المزامن لعصر المؤلف مع اختلاف  في الفهم والممارسة للمشروع الرشدي.

 تؤطر الرؤية السردية للرواية – كما يبدو من هذه القراءة – معرفةٌ محمولةٌ على أجنحة الخيال.. مستدعاةٌ من القرن الثاني عشر الميلادي لإدماجها في قضايا الألفية الثالثة من أجل إنتاج خطاب يحمل عقلانية فاعلة، مع جانب من العقلانية الانفعالية التي تمنح الذات الإنسانية توازنها. يعبر المؤلف عن مغامرته هذه  في لقائه المتخيل مع ابن عربي : ” ما إن حظيت بلقائه حتى منحني للتو ما عجز العقل عن منحه لي؛ منحني طمأنينة النفس، وارتقى لي بها حتى خلتلإني قريبا من سدرة المنتهي..لكن نفسي الأمارة دوما، والمتقلبة دوما لم تستسغ أن أقع في شَرَكٍ عرفاني هذا، وتودُّني أن أعود إلى شرك العقلانية الرشدية”

 ينبني الفضاء السردي – وهو الأثير الذي يتردد عبر أثيره صوت خطاب المؤلف – من عنصرين متلازمين، وهما الزمان والمكان: ويعتبر هذان العنصران من ضروريات إنجاح بنية الرواية؛ فمن الضروريّ أن يُحددّ الروائي الزمن الذي وقعت به أحداث الرواية ومكانها، وضرورتهما الفنية، تكمن أيضا  في إعطاء القارئ شعوراً بالتعايش مع أحداث الرواية، إذ يمنح الحوار شروطه الوجودية: من حيث تقديم ما يدور بين الشخصيات الرئيسية والثانوية من كلام، ويتمّ خلاله سرد الأحداث وبناء المواقف.

 وفي المكان  تحملك الرواية الى منطقة جغرافية متعالية الوجود فكرا وفلسفة في تماثل مع مواقع جغرافية على أرض الواقع تمتد من فاس ومراكش وتطوان وقرطبة ومرسية وقاسيون و اشبيلية ..وباريس والجزائر.

يحتضن هذا الفضاء السردي- بأزمنته وأمكنته – حركية للفكر ممتدة منذ أرسطو إلى ابن رشد ومجايلييه؛ من ملوك وفلاسفة وفقهاء، إضافة  إلى فترة استعمار المغرب واستقلاله وتبخر أحلام مناضيله، وما تلا ذلك من سنوات الجمر ونكسة اليسار.. هذا الفضاء السردي ينفتح في وجه المتلقي وئيدَ الخطو..يقدمه صوتٌ متأملٌ، يغلب عليه طابع التبئير.. الحركة فيه زمنية؛ تتراوح بين زمن تاريخي هو زمن ابن رشد، وابن زهر، وابن ميمون، وابن عربي..وزمن السارد الرئيس بضمير المتكلم، يحكي عن رحلته العلمية، وعن الأسئلة التي تؤرقه، ولم يجد سبيلا للإجابة إلا عن طريق استدعاء ابن رشد.

 من محاور الفكر الرشدي التي ظلت محاصرة إلى عصر أحداث الرواية، وحدة  العقل البشري، وانتصاره للعقل النسائي.. يجلي هذا الحصار في الرواية حضور المرأة – المعطل فعله في التغيير والإصلاح، كما يطمح إليه المشروع التنويري لدى ابن رشد والمؤلف الذي يتماهي معه، ويقاسمه حلم المدينة السعيدة على غرار” أثينا ” الدولة  المدينة التي من المبادئ التي تقوم عليها، مبدأ  وحدة العقل البشري..إذ نرى أقصى ما حققته الأنثى في الرواية هو اقتناصها للحظات في وضعية متحررة، في حين تفشل في الحصول على شرعية لعلاقتها مع من تحب . سواء مع جليلة في أقصى بادية الريف، التي عاشت قصة حب مع الشخصية الرئيسة في الرواية، وسط أشواك الصبار، أو مروة في بلد الثوار الجزائر، أو روزا بفرنسا بلد حقوق الانسان والتحرر.

قراءةةنقدية/ الزهرة حمودان

ارسال :

عن معتز الراوى

رئيس القسم الأدبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دعاء واجب.. القسم الأدبي_جريدة الخبر

خالص أمنيات القسم الأدبي_جريدة الخبر.. بالشفاء التام والعاجل، للسيد الموقر/ والد المبدعة الأستاذة/ سكينة صادق_رئيس هيئة تحرير القسم.. دمتم بالعافية والأجر.